سيد محمد طنطاوي

403

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمال اللَّبد : هو المال الكثير الذي تلبد والتصق بعضه ببعض لكثرته وهو جمع لبدة - بضم اللام وسكون الباء - كغرفة وغرف ، وهي ما تلبد من صوف أو شعر ، أي : تجمع والتصق بعضه بعض . وقوله - سبحانه - : * ( أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَه أَحَدٌ ) * توبيخ لهذا المغرور إثر توبيخ ، وتجهيل في أعقاب تجهيل . أي : أيظن هذا الجاهل المغرور ، حين أنفق المال الكثير في المعاصي والسيئات ، أن اللَّه - تعالى - غير مطلع عليه ؟ إن كان يظن ذلك فهو في نهاية الجهالة وانطماس البصيرة ، لأن اللَّه - تعالى - مطلع عليه ، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، وسيحاسبه على ذلك حسابا عسيرا . وفي الحديث الشريف : لن تزل قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن شبابه فيم أبلاه ، وعن عمره فيم أفناه ، وعن ماله من أين اكتسبه ، وفيم أنفقه . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر نعمه ، على هذا الإنسان الجاهل المغرور . فقال - تعالى - : * ( أَلَمْ نَجْعَلْ لَه عَيْنَيْنِ . ولِساناً وشَفَتَيْنِ . وهَدَيْناه النَّجْدَيْنِ ) * . والاستفهام هنا للتقرير ، لأن اللَّه - تعالى - قد جعل له كل ذلك ، ولكنه لم يشكر اللَّه - تعالى - على هذه النعم ، بل قابلها بالجحود والبطر . . أي : لقد جعلنا لهذا الإنسان عينين ، يبصر بهما ، وجعلنا له لسانا ينطق به ، وشفتين - وهما الجلدتان اللتان تستران الفم والأسنان - تساعدانه على النطق الواضح السليم . واقتصر - سبحانه - على العينين ، لأنهما أنفع المشاعر ، ولأن المقصود إنكار ظنه أنه لم يره أحد ، ولأن الإبصار حاصل بذاتهما . وذكر - سبحانه - اللسان وذكر معه الشفتين . للدلالة على أن النطق السليم ، لا يتأتى إلا بوجودهما معا ، فاللسان لا ينطق نطقا صحيحا بدون الشفتين ، وهما لا ينطقان بدونه . وقوله - تعالى - : * ( وهَدَيْناه النَّجْدَيْنِ ) * بيان لنعمة أخرى هي أجل النعم وأعظمها . والنجد : الأرض المرتفعة ، وجمعه نجود ، ومنه سميت بلاد نجد بهذا الاسم ، لأنها مرتفعة عن غيرها . . . والمراد بالنجدين هنا : طريق الخير . وطريق الشر ، أي : وهدينا هذا الإنسان وأرشدناه إلى طريق الخير والشر ، عن طريق رسلنا الكرام ، وعن طريق ما منحناه من عقل ، يميز به بين الحق والباطل ، ثم وهبناه الاختيار لأحدهما ، كما قال - تعالى - : إِنَّا هَدَيْناه السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وإِمَّا كَفُوراً . قال بعض العلماء : وكأنهما إنما سميا نجدين - أي : سبيل الخير والشر : لأنهما لما وضحت